جان لوئيس بوركهارت

45

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ومتقينها تارة أخرى بحيث لا يتجه الرمث تجاه الشاطئ رأسا . وقابلنى الحاكم الشيخ في برود ، ثم قال لي « ليس الجنوب بالإقليم الذي يسلكه مثلك في غير قافلة » وسألته أن يزودنى بخطاب توصية لولده ، وكان يحكم جنوب سكوت ، فأمر كاتبه « * » أن يخط بضعة سطور على طرف خطاب قديم ، وهو ما تيسر من ورق . . وقد سألني عن مهمتى مرارا فأجبت بأنني أحمل خطابات من إسنا لولدي كاشف بالمحس . وبعد أن بقيت معه ساعة من الزمان انصرفت وعبرت النهر عائدا أدراجى واستأنفت رحلتي . وكنا نركب فوق أرض جبلية عاد فيها الحجر الرملي يظهر بين الحصى الأشهب والفلسپار . حتى إذا سرنا ساعتين ونصفا من كولب بلغنا وادى دال الذي يمكن أن نعده الطرف الجنوبي لبطن الحجر . وعند دال تقطع النهر جلاميد ضخمة من الجرانيت فتأخذ عليه مجراه في غير نظام ، وينشأ عنها جنادل يرغى الماء عندها ويزيد ، ويتكون فيها عدة جزائر صخرية يقوم على إحداها بناء كبير متهدم من الآجر . وهنا انفرجت الأرض أمامنا فسرنا نصف ساعة على شاطىء تربته صالحة للزراعة ، يزخر بنخيل تقوم في وسطه مدينة خربة تدعى الدابة . وبعد أن سرنا ساعة أخرى على السهل ملتزمين النهر بلغنا قرية سركاماتو وفيها قضينا الليل . ويجلب أهالي سركاماتو الملح الصخرى من [ واحة ] سليمة التي تبعد يومين ونصفا في الصحراء الغربية ، وهي محطة لقافلة دارفور في طريقها لأسيوط . وكلما مرت القافلة بسليمة خف إليها النوبيون ليبيعوا المسافرين التمر وغيره من الزاد . ويوجد الملح الصخرى أيضا في كل أجزاء الجبل الشرقي جنوب قنا ، ويجمعه فلاحو مصر والنوبة ؛ ولكن مذاقة كريه لأن فيه حلاوة تمتزج بالمرارة .

--> ( * ) يتعلم النوبيون القلائل الملمون بالكتابة والذين يعملون كتابا للحكام على يد فقراء الدامر ، جنوبي القوز [ بربر ] الواردة في خريطة بروس ، وهؤلاء كلهم علماء يختلفون إلى القاهرة كما ذكرت ليجاوروا في الأزهر ، وفي طريقهم إلى مصر ينزلون على بيوت ذوى اليسار من الأهالي ، ويعلمون أبناءهم القراءة والكتابة . كذلك يوفد كثير من أبناء سكوت والمحس لمدرسة عرب الشايقية حيث يظلون عشر سنين أو يزيد يأكلون ويتلقون العلم مجانا على يد علماء هذه القبيلة .